السيد علي عاشور
54
موسوعة أهل البيت ( ع )
ثم خرجنا فو اللّه لو خرجت حتى أتى أمام الركب قد قطعتهن حتى ما يتعلق بأحد ، حتى أنهم ليقولون : ويحك يا بنت الحارث كفا علينا أليست هذه أتانك التي خرجت عليها ؟ فأقول بلى واللّه قد قدمنا وهي قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر ، فقدمنا على أجدب أرض اللّه ، فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا يسرحون أغنامهم إذا أصبحوا [ ويسرح ] راعي غنمي فتروح غنمي بطانا لبّنا حفلا وتروح أغنامهم جياعا هالكة مالها من لبن . قالت : فنشرب ما شئنا من اللبن ما من الحاضر أحد يطلب قطرة ولا يجدها ، فيقولون لرعاتهم : ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة . فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه راعينا ، فتروح أغنامهم جياعا ما لها من لبن ، وتروح غنمي لبّنا حفلا . قالت : وكان صلّى اللّه عليه واله وسلّم يشب في اليوم شباب الصبي في شهر ، ويشب في شهر شباب الصبي في سنة . فبلغ سنة وهو غلام جفر . قالت : فقدمنا على أمه فقلنا لها ، وقال لها أبوه : ردّي « 1 » علينا ابني فلنرجع به ، فإنا نخشى عليه أوباء مكة . قالت : ونحن أضن شيء به ، فما رأينا من بركته ، قالت : فلم يزل بها ، حتى قالت : ارجعا به . فرجعنا به فمكث عندنا شهرين ، قال : فبينما هو يلعب وأخوه يوما خلف البيوت يرعيان « 2 » بهما لنا . إذ جاءنا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه : أدركا أخي القرشي قد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه ، فخرجنا نحوه نشتد ، فانتهينا إليه وهو قائم ، وهو منتقع لونه ، فاعتنقه أبوه واعتنقته . ثم قال : ما لك ؟ أي بني ، قال : أتاني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاني ثم شقا بطني فو اللّه ما أدري ما صنعا . قالت : فاحتملناه فرجعنا به ، قالت : يقول أبوه : واللّه يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلّا قد أصيب ، فانطلقي ، فلنردّه إلى أهله قبل أن يظهر ما نتخوف عليه . قالت : فرجعنا به إليها . قالت : ما ردّ كما ، وقد كنتما حريصين عليه ؟ قال : فقلت : لا واللّه إلّا أن كفلناه وأدّينا الحقّ الذي يجب علينا فيه ، ثم تخوّفنا الأحداث عليه ، فقلنا : يكون في أهله . فقالت آمنة : واللّه ما ذاك بكما ، فأخبراني خبركما وخبره ، فو اللّه ما زالت بنا حتى أخبرنا خبره . قالت : فتخوفتما عليه ؟ كلا واللّه إنّ لابني هذا شأنا ألا أخبركما عنه : إني حملت به فلم أحمل حملا قط كان أخف ولا أعظم بركة منه . ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى ، ثم وضعته فما وقع كما يقع الصبيان ، وقع واضعا يده بالأرض ، رافعا رأسه إلى السّماء ، دعاه والحقا بآلكما « 3 » .
--> ( 1 ) في مسند أبي يعلى : ردوا 13 / 96 . ( 2 ) البهم : واحدتها بهمة ، الصغار من الغنم . ( 3 ) سيرة بن إسحاق : 26 ودلائل البيهقي : 1 / 132 وصحيح ابن حبان : 14 / 246 .